الشيخ محمد الصادقي الطهراني
94
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يشاء » ( 5 : 64 ) . ! لذلك يرد عليهم بمعاكسة « أنتم الفقراء إلي اللَّه » لا ان اللَّه فقير ونحن أغنياء ! فأنتم محصورون في الفقر لا ان الفقر محصور فيكم . لا ان هناك انسان أم اياً كان له الفقر إلي اللَّه ، بل هو بذاته الفقر إلي اللَّه وهو بذاته الغني ، دون امكانية التحول من ذاتية الفقر إلي ذاتية الغنى وبأحرى المعاكسة ، فإنما « أنتم الفقراء إلي اللَّه واللَّه هو الغنى الحميد » ! والفقر والغنى وصفان للكائن ، فلا يقال للمعدوم المطلق فقير ، وآية الفقر تقرر أصل الفقر للإنسان ، وتعلقه في فقره باللَّه وإلي اللَّه ، فالفقير الذات وفي الافعال والصفات بحاجة ضرورية إلي غني في كافة الجهات والحيثيات ، فلولا ان هناك كائناً غنى الذات ، لما كان للفقير كون ، أم لو لم يكن حميداً لم يكن للفقير ما يكفيه به ويغنيه ، ولولا أنه حميد لم يقرر مصير الحساب يوم الحساب ، فهو غني حميد في غناه في النشأتين . اذاً ففي فقر الكائنات من حيث الذات دليل لا مرد له على وجود كائن غني الذات ، وإلا فأين وجودات الممكنات ، حيث الافتقار في أصل الذات وحاقها دليل الحدوث ، فمن ذا الذي أحدثها إلّاازلي الذاتي وغنيها ؟ . وتجد في آية الذاريات ( 49 ) أعمق البراهين للفقر الذاتي في الكائنات كلها ، حيث الزوجية هي كيان كل كائن سوى اللَّه : « ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون . ففروا إلي اللَّه اني لكم منه نذير مبين » « 1 » ! . ومهما كان في الكون غنى نسبية لكائن امام الآخر ، فهما في الفقر إلي اللَّه سواء ، كما وهما في أصل الفقر سواء ، فأنت الغنى في المال بحاجة إلي فقير العمال كما الفقير المال بحاجة إليك في المال فلكلٍّ فقر من جهة وغنى نسبية من أخرى ، وهما في غناهما فقيران إلي اللَّه الذي اغناهما ! أنت ساكن فقير صغير من سكان هذه الأرض ، وهي تابعة صغيرة من توابع الشمس ، و
--> ( 1 ) . راجع الفرقان لتفسير الآية بقول فصل كاعمق البراهين لاثبات وجود اللَّه